بلغاريا، رأس حربة الكتلة السوفييتية
الحلقة 04 · الفترة المشمولة: 1955–1989 · القراءة: 8 دقائق
مقال مرافق للحلقة 04 من بودكاست Cold War Bulgaria.
الحلقة 04 · الفترة المشمولة: 1955–1989 · القراءة: 8 دقائق
مقال مرافق للحلقة 04 من بودكاست Cold War Bulgaria.
كثيرًا ما تُروى الحرب الباردة عبر معارك الدبابات الكبرى التي كان يمكن أن تدور في السهول الألمانية. غير أنّ مسرحًا آخر، لا يقلّ حسمًا وإن قلّ الحديث عنه كثيرًا، كان في البلقان. وهناك أدّت بلغاريا دور المرساة الجنوبية لحلف وارسو: أوثق موقع متقدّم امتلكه الاتحاد السوفييتي قبالة الجناح الجنوبي للناتو، الذي تمسك به اليونان وتركيا.
ولم يكن هذا الدور نابعًا من الجغرافيا وحدها. بل كان ثمرة اندماج مؤسسي عميق، وتدريب متخصّص، وولاء سياسي أكسب صوفيا مكانة خاصة في الكتلة الشرقية. فحيث عرفت المجر أو تشيكوسلوفاكيا فصول تمرّد، بقيت بلغاريا القمر الوفيّ، إلى حدّ أنّ جيشها صار امتدادًا مباشرًا للجيش الأحمر.
لفهم عبارة المرساة الجنوبية ينبغي النظر إلى خريطة البحر الأسود. كانت موسكو تعدّ هذا الحوض بحرًا داخليًا، وكل حضور أجنبي فيه يُتلقّى تهديدًا مباشرًا.
وإذ يحدّها البحر الأسود شرقًا وعضوان في الناتو جنوبًا، كانت بلغاريا المفتاح القادر إمّا على إقفال الباب في وجه أي تسلّل غربي، وإمّا على فتحه أمام القوات السوفييتية نحو المتوسط. وكان التوازن الإقليمي أشدّ حساسية لأنّ يوغوسلافيا، في الشمال الغربي، كانت تنتهج سياسة مسافة واحدة من الكتلتين، فتمنع أي فصل جغرافي واضح. وهذا زاد الموقع البلغاري أهمية استراتيجية: فقد كان الجسر البرّي الآمن الوحيد الذي يستطيع حلف وارسو عبره أن يضغط مباشرة على المتوسط.
غياب قواعد سوفييتية دائمة في بلغاريا من أكثر تناقضات تلك الحقبة دلالةً. فبولندا وألمانيا الشرقية كانتا تستضيفان مئات الآلاف من الجنود السوفييت؛ أما بلغاريا فلا أحد. لا استقلالًا، بل فرطَ ثقة. كانت موسكو ترى الجيش الشعبي البلغاري (Българска народна армия) مدرَّبًا على المناهج السوفييتية تدريبًا جيدًا وموثوقًا سياسيًا إلى حدّ أنّ التعزيزات القادمة من المنطقة العسكرية في أوديسا يمكنها الاندماج في الوحدات البلغارية خلال أربع وعشرين إلى ثماني وأربعين ساعة. وقد جنّب هذا الترتيب الاتحادَ السوفييتي عبء قواعد دائمة لوجستيًا، مع احتفاظه بأداة هجومية مخيفة.
بدأ التحوّل فور انقلاب 9 سبتمبر 1944 الموالي للسوفييت. ولم يكن الأمر شراء دبابات سوفييتية فحسب، بل إعادة صوغ الحمض النووي للمؤسسة العسكرية. طُهّرت هيئة الأركان من ضبّاط العهد القيصري، وحلّ محلّهم شيوعيون تكوّن كثير منهم في الاتحاد السوفييتي أو خرجوا من المقاومة. وحين أُنشئ حلف وارسو رسميًا عام 1955، كان الجيش الشعبي البلغاري قد صار مرآةً للجيش السوفييتي.
وكان عمق هذا الاندماج يُقرأ في نمط القيادة. فوزارة الدفاع الشعبي كانت تعمل تحت الإشراف المباشر للحزب الشيوعي البلغاري، الذي كان زعيمه القائد الأعلى. وتُظهر الأرشيفات المرفوعة السرّية أنّ كل قرار كبير (شراء طائرات مقاتلة، بناء مخابئ سرّية) كان عليه أن ينال موافقة المكتب السياسي، وكثيرًا ما كان موضع مشاورات مسبقة مع المستشارين السوفييت. أما الكوادر العليا فكانوا خرّيجي مؤسسات عسكرية سوفييتية، مثل أكاديمية غاغارين للقوات الجوية، حيث يتعلّم المرء التفكير والتخطيط تمامًا كما في موسكو.
في حال نشوب حرب عامة بين الناتو وحلف وارسو، لم يكن على بلغاريا أن تنتظر. فبحسب الخطط المرفوعة السرّية، كان على جيشها أن يشكّل الجبهة البلقانية الأولى، وهي تشكيل هجومي مصمَّم لإخراج اليونان وتركيا من المعركة في أيام. وكان المنطق منطق الأمر الواقع: هجوم خاطف يخلق وضعًا يصعب على الولايات المتحدة أو يكلّفها كثيرًا أن تعكسه، وهي مضطرّة إلى جلب تعزيزاتها من الضفة الأخرى للأطلسي.
كان الهدف الرئيسي الاستيلاء على البوسفور والدردنيل، المنفذ الوحيد للبحر الأسود نحو المتوسط. فطوال الحرب الباردة ظلّ الأسطول السوفييتي في البحر الأسود محبوسًا هناك، لأنّ تركيا تسيطر على المضائق بوصفها عضوًا في الناتو. وكان المخطّطون السوفييت يرون أنّ بقاء أسطولهم يتوقّف، في حال النزاع، على الاستيلاء على هذين الممرّين.
قامت الخطة على عملية مشتركة واسعة. فبينما تتقدّم القوات البرّية البلغارية جنوبًا عبر تراقيا، كان على الجيش الرابع عشر للحرس السوفييتي، المتمركز في مولدوفا الحالية، أن يعبر رومانيا وبلغاريا بسرعة لتعزيز الجبهة. وفي الوقت نفسه يشنّ أسطول البحر الأسود إنزالات برمائية على طول السواحل التركية. وكان المقصود أخذ إسطنبول والمرتفعات المحيطة بها، ليتمكّن الأسطول السوفييتي من الخروج إلى المتوسط ومواجهة الأسطول السادس الأمريكي فيه.
هدف ثانٍ لكنه ليس ثانويًا: تحييد الجيش اليوناني. كان على الوحدات البلغارية أن تخترق الشريط الضيّق لتراقيا اليونانية بلوغًا إلى بحر إيجه، فتقطع الصلة البرّية بين اليونان وتركيا، وهما حليفان جعلت توتراتهما القديمة التنسيق بينهما غير مضمون. وبالاندفاع نحو وسط اليونان، كانت الجبهة البلقانية الأولى تستهدف الانهيار السريع للحكومة اليونانية وتأمين الجناح الجنوبي للحلف.
كان المخطّطون يعلمون أنّ التضاريس البلقانية، بكتلها المرتفعة وممرّاتها الضيّقة، قليلة الملاءمة للعمليات الهجومية. فطوّر الجيش البلغاري عقيدة مختلطة: اختراقات مدرّعة سريعة في السهول، وحرب جبال، وتخريب في العمق. وكان الفوج الثامن والستون المستقل للاستطلاع المظلّي، نظير القوات الخاصة السوفييتية، يتدرّب على القفز خلف خطوط الناتو لتدمير الجسور ومراكز الاتصال ومحطات الرادار قبيل انطلاق الهجوم الرئيسي.
كان الجيش الشعبي البلغاري يشغّل عدة طرز من الطائرات القادرة على حمل السلاح النووي، منها ميغ-21 إم وميغ-21 إم إف المعدّلة، بأسلاك خاصة وحوامل مكيَّفة، تُخزَّن في ملاجئ محدودة الدخول في القواعد الجوية. وفي الثمانينيات كانت خطط حلف وارسو تنصّ على مئات الضربات النووية التكتيكية في المسرح البلقاني لضمان نجاح الجبهة الأولى.
وفي 1985 تلقّت بلغاريا أكثر أسلحتها تطوّرًا وإثارةً للجدل: أو تي آر-23 «أوكا»، التي يسمّيها الناتو SS-23. كان هذا الصاروخ الباليستي المتحرّك القصير المدى أدقّ بكثير وأصعب اعتراضًا من صواريخ «سكود» التي حلّ محلّها. وبمدى يقارب 500 كيلومتر، كان قادرًا على ضرب معظم الأراضي اليونانية والتركية انطلاقًا من مواقع إطلاق في قلب بلغاريا.
ودقّته (انحراف دائري محتمل لا يتجاوز ثلاثين مترًا) جعلته صالحًا لضربات جراحية على قيادات الناتو أو مواقع التخزين النووي. وقد أقلق هذا السلاح المخطّطين الغربيين جديًا. ففي 1987، خلال مفاوضات معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى، حصلت الولايات المتحدة من ميخائيل غورباتشوف على إدراج «أوكا» في قائمة الصواريخ المحظورة، مع أنّ مداها كان تقنيًا دون عتبة الـ500 كيلومتر التي اعتمدتها المعاهدة. دمّر الاتحاد السوفييتي صواريخه عام 1991؛ أما بلغاريا، وهي غير موقّعة، فاحتفظت بصواريخها الأربعة والعشرين حتى 2002.
لم يتوقّف دور المرساة الجنوبية عند الحدود البلغارية. فقد كانت موسكو تستخدم حليفها بانتظام لبسط نفوذها في العالم الثالث، عبر المساعدة العسكرية الخاصة وعمليات الاستخبارات، وهو ما أتاح للكتلة الشرقية دعم الأنظمة الصديقة والحركات الثورية مع الاحتفاظ بقدر من الإنكار المعقول.
بدأ الانخراط البلغاري في الشيوعية العالمية فعليًا خلال الحرب الكورية، من 1950 إلى 1953. وإذ كانت بلغاريا أصغر من أن ترسل جيشًا، قدّمت دعمًا رمزيًا وطبيًا. وتحفظ الأرشيفات البلغارية أكثر من ثلاثين ألف صفحة عن هذا التعاون. فقد شاركت فرقة طبية من سبعة وأربعين شخصًا، منهم سبعة وعشرون طبيبًا مؤهّلًا، في إقامة مستشفيات في كوريا الشمالية، معالجةً الجنود والمدنيين تحت النار.
كما استقبلت بلغاريا أيتام الحرب: فبين 1952 و1960 أُسكن وتعلّم فيها أكثر من خمسمئة طفل كوري شمالي، في مساكن خاصة يدرّس فيها معلّمون بلغار وكوريون معًا.
في السبعينيات والثمانينيات صارت بلغاريا مركزًا لتجارة السلاح الدولية. وتكشف الملفات السرّية للحكومة البلغارية، ولا سيّما الفوند 136، السجل 86، عن مساعدة عسكرية ومالية مجانية لأكثر من أربعين بلدًا وتنظيمًا سياسيًا في العالم الثالث. وبلغ هذا العتاد الخاص، وهو تعبير ملطّف عن السلاح والذخيرة، ذروته في منتصف السبعينيات.
صُدّرت بنادق ورشاشات ومدافع هاون ومعدّات اتصال إلى حركات حرب عصابات في الشرق الأوسط وأفريقيا. وفي عام 1976 وحده وافق الحزب على إرسال ثلاثين مدفع هاون وعشرين ألف بندقية وأربعين ألف قذيفة إلى جبهات سياسية مختلفة. وتُقدَّر القيمة الإجمالية لهذه المساعدة، في العقد الأخير من الحرب الباردة، بأكثر من 243 مليون ليف، أي نحو 120 مليون دولار. ولم تكن هذه التجارة مربحة فحسب: بل كانت أداة لزعزعة المصالح الغربية.
ظلّ تاريخ الجبهة البلقانية الأولى وبرامج المساعدة السرّية سنواتٍ خلف جدار من الصمت. وتغيّر ذلك في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية، حين شرعت بلغاريا في رفع السرّية تدريجيًا عن أرشيفاتها، وهي حركة شجّعها ترشّحها للناتو وللاتحاد الأوروبي، اللذين كانا يطلبان شفافيةً إزاء الماضي.
وقد أمضى باحثون مثل الأستاذ يوردان باييف، بالتعاون مع Cold War International History Project، سنواتٍ في إعادة بناء الاشتغال الفعلي لحلف وارسو انطلاقًا من هذه الفوندات. ووجدوا فيها تخطيطًا عسكريًا بلغاريًا أنشط وأدقّ بكثير ممّا كانت تفترضه أحيانًا الأجهزة الغربية آنذاك. فقرارات المكتب السياسي الموسومة بـ«سرّي للغاية ب» وملفات العمليات في الاستخبارات الخارجية كشفت التواريخ الدقيقة للمناورات، وأسماء الطيارين المدرَّبين على المهام النووية، والكشوف المالية لشحنات السلاح.
وكان الفصل الأخير من هذه الحكاية تدمير الصواريخ. فمع اقتراب الانضمام إلى الناتو، صار وجود صواريخ SS-23 عقبة دبلوماسية كبرى. وفي 2002، وتحت إشراف دولي، فُكّكت الصواريخ الأربعة والعشرون ومنصّات إطلاقها. وبعد عامين دخلت بلغاريا الحلف الأطلسي، منتقلةً من صفة المرساة الجنوبية لحلف وارسو إلى صفة قطعة في المنظومة الدفاعية الغربية في البحر الأسود.
ترجمات الوثائق المستشهد بها من عمل المؤلف.