المتحفالجدول الزمنيالخريطةملفاتالإعلامالموسيقىادعمنااتصل بناعن المتحف
ENBGFRDETRESRU中文日本AR
Cold War Bulgaria

أمن الدولة وقضية ماركوف

الحلقة 07 · الفترة المشمولة: 1925–1990 · القراءة: 10 دقائق

مقال مرافق للحلقة 07 من بودكاست Cold War Bulgaria.

9 دقيقة قراءة
استمع إلى هذه الحلقة

من بين أجهزة استخبارات الدول التابعة، كان جهاز أمن الدولة البلغاري (درجافنا سيغورنوست، Държавна сигурност، أو DS) يقيم مع الـ«كي جي بي» علاقة قرب لا نظير لها. ففي حين حافظ جهاز شتازي في ألمانيا الشرقية أو جهاز StB التشيكوسلوفاكي على جزء من استقلاله المهني وهويته الوطنية، كان جهاز أمن الدولة البلغاري يعمل عملياً كفرع إقليمي للجهاز السوفييتي.

بلغ الاندماج حداً جعل تودور جيفكوف يصف الجهاز عن طيب خاطر بأنه «ذراع ثمينة» للجهاز السوفييتي. أتاحت هذه العلاقة لبلغاريا أن تصبح وسيطاً للتدابير النشطة السوفييتية على نطاق العالم: من التجسس الصناعي على التقنيات المتقدمة في اليابان والولايات المتحدة، إلى أشهر اغتيال سياسي في أواخر القرن العشرين، في قلب لندن.

هندسة دولة الظل

تأسس جهاز أمن الدولة عام 1925، لكن الاستيلاء الشيوعي على السلطة عام 1944 هو ما منحه شكله الحديث. ومنذ نشأته وحتى حلّه رسمياً عام 1990، جرت هيكلته وفق النموذج السوفييتي. لم يكن جهاز تجسس عادياً: كان «درع الحزب الشيوعي البلغاري وسيفه»، مسؤولاً عن الاستقرار الداخلي للنظام بقدر ما كان مسؤولاً عن إسقاط قوته إلى الخارج.

كان الجهاز موزعاً على إدارات رئيسية، تتولى كل منها ركناً من أركان أمن الدولة:

الإدارةمجال الاختصاصنطاق المراقبة
الإدارة العامة الأولىالاستخبارات الخارجيةالتجسس الدولي، المعارضون البلغار في الخارج
الإدارة العامة الثانيةمكافحة التجسسالعملاء الأجانب، التهديدات الداخلية
الإدارة الثالثةمكافحة التجسس العسكريولاء جيش الشعب البلغاري
الإدارة الرابعةالمراقبة التقنيةالتنصت الهاتفي والمحيطي، اعتراض الإشارات
الإدارة الخامسةحماية الحكومةأمن القادة والضيوف الأجانب
الإدارة السادسةالشرطة السياسيةرجال الدين، المثقفون، الطلاب، الأقليات
الإدارة السابعةالمعلومات والتحليلمعالجة الاستخبارات الخام

تكشف الأقسام الفرعية للإدارة السادسة مدى إحكام نسيج الشبكة. فقسمها الأول كان مخصصاً للأوساط الثقافية، يراقب الفنانين والكتّاب لإبقاء أعمالهم ضمن حدود الواقعية الاشتراكية. أما القسم الثاني فكان يستهدف الشباب ويخترق الجامعات لرصد القادة المحتملين. وتولّى القسم الثالث «المسألة الدينية»، فزرع المخبرين داخل الكنيسة الأرثوذكسية وراقب الطائفتين اليهودية والأرمنية. وانشغل القسم الرابع بالقومية العرقية، ولا سيما المشاعر الموالية لتركيا، وهو ما أفضى في ثمانينيات القرن العشرين إلى «عملية إعادة الإحياء»، حملة الاستيعاب القسري للأقلية التركية.

تبعية مُقنّنة

لم تكن الصلة بين جهاز أمن الدولة والـ«كي جي بي» مجرد مصلحة متبادلة، بل تبعية مؤسسية كاملة قنّنتها اتفاقيات بالغة السرية لم تُكشف إلا بعد سقوط النظام.

في 8 أبريل 1972، وقّع الجهازان في موسكو اتفاقية إطارية طويلة الأمد وخطة تفاعل في مجال الاستخبارات. كانت المرة الأولى التي يوقّع فيها الـ«كي جي بي» اتفاقاً رسمياً بهذا الحجم مع جهاز «شقيق»، دلالة على مكانة بلغاريا بوصفها أوثق حلفاء الاتحاد السوفييتي.

رسّخت الاتفاقية المبادئ التي حكمت التعاون حتى نهاية الحرب الباردة. كان الجهاز البلغاري ينقل بانتظام إلى الـ«كي جي بي» معلومات عن كل عملياته، الداخلية والخارجية، وعن اتصالاته وعملائه. وفي صوفيا، كان جنرال من الـ«كي جي بي» (مثل إيفان سافتشينكو، ذي النجوم الثلاث) يشغل منصب كبير مستشاري الجهاز، فيشرف عملياً على نشاطه ويرفع تقاريره مباشرة إلى موسكو.

أتاح هذا الاندماج للـ«كي جي بي» أن يستخدم الجهاز البلغاري في التدابير النشطة حيث يكون الحضور السوفييتي المباشر حساساً سياسياً أو شديد الوضوح. وكان الجهازان يطبّقان «تقاسماً للأهداف»، فيُسند إلى البلغار مساحات جغرافية أو مجالات تقنية بعينها بحسب خبرتهم الإقليمية أو شبكاتهم القائمة. وقد بدا ذلك جلياً بخاصة في البلقان والشرق الأوسط، حيث وفّرت البعثات الدبلوماسية والتجارية البلغارية غطاءً مثالياً.

واللافت أن القيادة البلغارية لم تر في ذلك فقداناً للسيادة بل مصدر قوة. فمقترحات جيفكوف المتكررة بالانضمام إلى الاتحاد السوفييتي بوصف بلغاريا جمهوريته السادسة عشرة كانت تجد صداها في تصور الجهاز لذاته. فبمحاذاته الوثيقة لموسكو، نال التدريب السوفييتي والعتاد التقني المتقدم وشبكة عالمية للاستخبارات العلمية والتقنية ما كان لبلد صغير أن يبنيها وحده أبداً.

سيبيريا البلقان

من أعمق نجاحات هذا الثنائي كان ميدان الاستخبارات العلمية والتقنية. فقد أنشأ الغرب لجنة التنسيق للرقابة متعددة الأطراف على الصادرات (COCOM) لمنع انتقال التقنيات المتقدمة إلى الكتلة الشرقية. ولتجاوز هذه الحواجز، نظّم جهاز أمن الدولة عملية تجسس صناعي جعلت من بلغاريا مركز المعلوماتية في العالم الاشتراكي.

كان جيفكوف معجباً صراحةً بالنموذج الاقتصادي الياباني وأراد لبلده أن يصير «يابان البلقان». وفي عام 1964، أنشأ الجهاز داخل الإدارة العامة الأولى قسماً سابعاً مخصصاً تحديداً للاستخبارات العلمية والتقنية. وصارت اليابان، في ذروة اندفاعها التكنولوجي، هدفاً ذا أولوية.

تعطي الأرقام قياس هذا الجهد. في عام 1970: مئة وواحد وستون عنصر معلومات، اعتُبر 27,6 % منها ثميناً أو بالغ الثمن. وفي عام 1981: ثلاثة عشر ألفاً وخمسمئة وثيقة علمية نُقلت إلى الكتلة السوفييتية، وثلاثة آلاف عيّنة مادية من التكنولوجيا الغربية جرى الحصول عليها. وفي عام 1982: عشرة آلاف عنصر معلومات وأربعة آلاف عيّنة. وحده برنامج «إلكترونيكا-س» سلّم بين عامي 1970 و1980 أكثر من ثمانية وثلاثين ألف صفحة من الرسوم التقنية للدارات المتكاملة.

تخصّص الضباط البلغار، العاملون غالباً في طوكيو تحت غطاء دبلوماسي، في رصد وتجنيد المهندسين اليابانيين الذين كانوا يتقاضون أجوراً أقل من نظرائهم الغربيين. الروبوتات، الإلكترونيات، الهندسة الكيميائية: لم تكن المعلومات المجموعة تفيد بلغاريا وحدها، بل كان جزء كبير منها يصعد إلى الـ«كي جي بي» لتغذية المجمع الصناعي العسكري السوفييتي.

ولتجاوز لجنة COCOM، اعتمد الجهاز على شبكة من الشركات الواجهة، أشهرها INCO، وكانت مكلّفة بالحصول غير المشروع على المكوّنات الغربية. وعبر هذه القنوات، حصلت بلغاريا على رسوم وعيّنات لدارات متكاملة وحواسيب مصغّرة من الولايات المتحدة وألمانيا الغربية واليابان. وهكذا استطاعت مصانع مثل إيزوت (İZOT) وDZU أن تصير المورّد الرئيسي لأقراص الذاكرة والأنظمة الحاسوبية للكتلة السوفييتية بأسرها.

جسر واترلو

يبقى الرمز الأكثر ديمومة لفتك الجهاز هو «المظلة البلغارية» المستخدمة عام 1978 في لندن ضد الكاتب المعارض غيورغي ماركوف. فماركوف، الكاتب الناجح سابقاً في بلغاريا والذي صار ناقداً لاذعاً للنظام عبر برامجه في هيئة الإذاعة البريطانية وراديو أوروبا الحرة، كان هدفاً شخصياً لتودور جيفكوف.

في 7 سبتمبر 1978، يوم عيد ميلاد جيفكوف السابع والستين، شعر ماركوف، وهو يعبر جسر واترلو، بوخزة في ربلة ساقه اليمنى تشبه لسعة نحلة. والتفت فرأى رجلاً يلتقط مظلة؛ اعتذر الغريب بلكنة ثقيلة ثم استقلّ سيارة أجرة. وفي المساء نفسه أصيب ماركوف بحمى شديدة، وتوفي بعد أربعة أيام في مستشفى سانت جيمس في بالهام.

كشف التحقيق الجنائي البريطاني، الذي أجراه بخاصة علماء مؤسسة الدفاع الكيميائي في بورتون داون، عن براعة تقنية لا يمكن أن تصدر إلا عن جهاز حكومي يملك إمكانات الـ«كي جي بي».

الكُريّة

كشف تشريح الجثة عن كريّة معدنية مجهرية في نسيج الربلة. كانت من الصغر (قطرها 1,7 مليمتر) بحيث فاتت الأشعة السينية في البداية.

العنصرالخاصيةالوظيفة
القطر1,70 ممالمرور دون أن تُلحظ لحظة الإصابة
السبيكة90 % بلاتين، 10 % إيريديومصلابة عالية، خمول بيولوجي، غير مرئية بالأشعة العادية
التجاويفثقبان بقطر 0,35 مممحفوران بزاوية قائمة، خزّان السمّ
الحشوةريسين، نحو 0,2 مغبروتين شديد الفتك لا ترياق معروف له
السدادمادة شمعيةمصممة للانصهار عند 37 °م، حرارة الجسم
الناقلمظلة معدّلةمسدس هوائي بالغاز أو بنابض مخبّأ في المقبض

على الأرجح حُفرت التجاويف بالتآكل الكهربائي أو بالليزر؛ فسبيكة البلاتين والإيريديوم أصلب من أن تُشغَّل بالطرق التقليدية. وكان اختيار الريسين استراتيجياً: يختفي هذا السمّ من الجسم اختفاءً شبه تام بعد أن يسبب فشلاً عضوياً شاملاً، ما يجعله شبه غير قابل للكشف في التشريح. ولتأكيد سبب الوفاة، حقن علماء بورتون داون خنزيراً بجرعة مماثلة؛ فنفق الحيوان بالآفات نفسها.

فلاديمير كوستوف

قبل ماركوف بعشرة أيام، تعرّض لاجئ بلغاري آخر، فلاديمير كوستوف، لهجوم بالطريقة نفسها في مترو باريس. ونجا: فالكريّة التي دخلت ظهره لم تنفذ في العضلة عميقاً بما يكفي. أبطأت ثيابه الشتوية السميكة المقذوف، فلم ينصهر السداد الشمعي كلياً ولم يتحرر الريسين بتمامه. وقد وفّر استخراج الكريّة نفسها من ظهره الدليل الحاسم الذي ربط الاعتداءين وأكد وجود مكتب حكومي للاغتيالات.

التدابير النشطة

إلى جانب التصفيات الجسدية، استخدم الجهازان البلغاري والسوفييتي التدابير النشطة: عمليات سرية تهدف إلى التأثير في الرأي العام وزعزعة المؤسسات الغربية، بمزج بارع بين الحقائق وأنصافها والأكاذيب، ينتج تضليلاً يصعب دحضه.

عملية دنفر. في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، أطلق الـ«كي جي بي» إحدى أنجع حملاته، التي أسماها الشتازي «دنفر» ودعمها الجهاز البلغاري بقوة: نشر فكرة أن فيروس نقص المناعة المكتسب ليس ظاهرة طبيعية بل سلاح بيولوجي طوّرته الولايات المتحدة في فورت ديتريك بولاية ماريلاند. وتقدّم أرشيفات لجنة الملفات البلغارية الدليل المادي على ذلك: برقية بعث بها الـ«كي جي بي» إلى الجهاز البلغاري في سبتمبر 1985 تطلب صراحةً المساعدة في نشر «أطروحات» عن الأصل الاصطناعي للمرض بغية إثارة شعور مناهض لأمريكا على نطاق عالمي. عبّأ الجهاز قنواته الصحفية ومنظماته الواجهة في العالم الثالث؛ ثم التقطت وسائل الإعلام الغربية تلك الروايات، فتركت أثراً دائماً من انعدام الثقة بالعلوم الطبية.

قضية أنتونوف. في 13 مايو 1981، حاول محمد علي أغجا اغتيال يوحنا بولس الثاني. واتهم التحقيق الإيطالي الجهاز البلغاري، وتحديداً سيرغي أنتونوف، موظف شركة الطيران البلغارية في روما. تحوّلت القضية إلى فضيحة جيوسياسية كبرى. اشتبه الغرب في مؤامرة سوفييتية لإزاحة بابا بولندي يدعم حركة تضامن؛ غير أن الوثائق الداخلية للجهازين تشير إلى رد فعل ذعر أكثر منها إلى ذلك. فقد كان الـ«كي جي بي» غاضباً من تورط الجهاز البلغاري في الفضيحة خشية أن تسيء إلى العالم الاشتراكي كله. وتكشف اللقاءات بين جيفكوف والمستشارين السوفييت أن الجهاز كان بالفعل على اتصال بأغجا خلال إقامته في صوفيا، لكنه أهمل التحقق من خلفيته؛ عجز مهني أكثر منه مشاركة في مؤامرة. ومع ذلك تلقّى الجهاز أمراً باستخدام كل الوسائل لإقناع العالم بأن «الأثر البلغاري» استفزاز من وحي وكالة الاستخبارات المركزية.

وسيط عالمي

بوصفها أوفى أقمار الاتحاد السوفييتي، أدّت بلغاريا دوراً محورياً في دعم المصالح السوفييتية في آسيا، وعملت في أحيان كثيرة قناةً للمساعدة العسكرية وتبادل الاستخبارات مع أنظمة شيوعية أخرى.

كانت ثاني بلد في العالم يعترف بجمهورية الصين الشعبية، في 4 أكتوبر 1949. وطوال الحرب الباردة، تبعت العلاقة بين صوفيا وبكين إلى حد بعيد حال العلاقات السوفييتية الصينية؛ وعند القطيعة في ستينيات القرن العشرين وقفت بلغاريا بحزم إلى جانب موسكو، مع احتفاظها بنهج براغماتي غير أيديولوجي في التجارة والتعاون الزراعي.

خلال حرب فيتنام، كانت بلغاريا من أبرز البلدان المزوِّدة لفيتنام الشمالية بـ«العتاد الخاص»، وهو تعبير سوفييتي ملطّف عن الأسلحة. ولم تكن المساعدة أخوية فحسب: فقد كان الجهاز يقدّم لفيت كونغ تدريباً عسكرياً ودعماً استخبارياً، فيما استُخدمت السفن البلغارية لنقل الأسلحة سراً عبر الموانئ الدولية.

حدّدت مشاريع متعددة الأطراف حديثة أكثر من ثلاثين ألف صفحة من الأرشيف البلغاري المتعلق بالكوريتين بين عامي 1945 و1995. وهي تُظهر أن بلغاريا عملت مركزاً طبياً وإنسانياً لكوريا الشمالية خلال الحرب وبعدها، فاستقبلت أكثر من خمسمئة يتيم كوري وأرسلت بعثات صحية إلى بيونغ يانغ. غير أن العلاقات ظلت متقلبة: ففي عام 1962 تدهورت الروابط الدبلوماسية بشدة لأسباب أيديولوجية، قبل أن تعود إلى طبيعتها في نهاية العقد.


المصادر

  • أرشيف لجنة الملفات (КОМДОС / Комисия по досиетата)، صوفيا
  • تقارير التحقيق البريطاني في قضية ماركوف (شرطة العاصمة، الطبيب الشرعي)
  • وثائق مرفوعة السرية لجهاز أمن الدولة والـ«كي جي بي»

ترجمة الوثائق المقتبسة من عمل المؤلف.

مقالات أخرى